خطبة عيد الفطر 1446هـ ( أخطار تهدد الأُسرة ). | مما يشرع في ختام شهر رمضان | تجربة المملكة العربية السعودية في تعزيز منهج الوسطية والاعتدال ومكافحة الإرهاب | أثر العلم الشرعي في الحفاظ على الهوية الإسلامية وتماسك المجتمع | العدالة الاجتماعية في ضوء الكتاب والسنة | استقبال شهر رمضان 1446هـ | جهود رجال الأمن ومكانتهم في الإسلام |

العنوان : الحث على الأمانة الوظيفية، والمحافظةِ على المالِ العام

عدد الزيارات : 2734

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد:

فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وراقبوه في كل أعمالِكم، وخُصُّوا الأموالَ والأماناتِ بمزيدِ اهتمامِكم، ومحاسبَتِكم فيها لأنفسكم، فإن النفوسَ أمامَ فتنتِها ضعيفة، لقوةِ تعلقها به، وشدةِ حبِّها له، قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ ‌حُبًّا ‌جَمًّا ﴾ [الفجر: 20] وقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ ‌لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] أي إن الإنسانَ لِحبِّ المالِ لشديد.

وإنّ مِن صُور المكاسبِ المحرمة ما يأخذهُ الموظف من مالِ الجهةِ التي يعملُ فيها بغيرِ وجهِ حق، وإنما يتكسبه عن طريقِ الرشوة، أو عن طريقِ الخيانة، ونحوِ ذلك من الطرق.

عبادَ الله:

قبل أن تمتدَّ يدُ الموظفِ للرشوةِ عليه أن يتذكرَ ما ورد في شأنِها من الوعيدِ الشديد، والتحريمِ الأكيد، قال تعالى: ” وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال ﷺ : «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» رواه ابن ماجه.

وحُكمُ الرِّشْوَةِ لا يختلفُ بتغييرِ الناس لاسمِها، فهي حرامٌ ولو سُمِّيَتْ هدية أو إكراميةً أو غيرَ ذلك، ومَن أكلَ الرشوةَ جاء بها يومَ القيامةِ يحملُها على ظهره والعياذُ بالله، قال ﷺ  ” مَا بَالُ العَامِلِ _يعني الموظف_ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ” متفق عليه. وقال ﷺ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري. أَيْ يأكلونَ أموالَ المسلمينَ بغيرِ وجهِ حَقّ.

وقال ﷺ: “وَلَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”. رواه أحمد وحسّنه الضياء. ويَشملُ الغلولُ أكلَ شيءٍ من مالِ المسلمينَ بغيرِ وجهِ حق، سواءٌ كان من الغنيمةِ أو غيرِها.

وقبل أن يخونَ الموظّفُ أمانتَه في عملهِ بتزويرٍ أو غيابٍ متعمد أو تعطيلٍ لمعاملاتِ الناس، أو بأخذِ مقابلً على عملٍ لم يقمْ به أو بغيرِ ذلك من صورِ الإخلالِ بالأمانةِ الوظيفيةِ عليه أن يتذكَّرَ شرفَ الأمانةِ وذُلَّ الخيانة.

فالأمانةُ من أوصافِ أهلِ الإيمان والخيانةُ من صفاتِ أهلِ النفاق، قال ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ‌ائْتُمِنَ ‌خَانَ » رواه مسلم، وكان ﷺ إذا خطب الناس قال: «لا إيمانَ ‌لِمَنْ ‌لا ‌أمَانَةَ ‌لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عهْدَ لَهُ» رواه أحمد وصححه الألباني. ولِقُبح الخيانةِ وخبثها كان ﷺ يستعيذ بالله منها فيقول: «وأعوذُ بكَ مِن ‌الخِيانَة، فإنها بئسَتِ البِطَانَةُ» صححه ابن حبان. وقال تعالى ناهياً عبادَه عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا ‌تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ‌وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 27-28] ونفى اللهُ حبَّهُ للخائنينَ فقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ ‌الْخَائِنِينَ﴾

فالحذرَ الحذرَ عبادَ اللهِ من الخيانةِ عامّة، ومن الخيانةِ في الأموالِ خاصة، فإنها سببٌ للخزيِ في الدنيا والآخرة، أقولُ هذا القولَ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وحاسبوا أنفسَكم على النَّقيرِ والقِطمير، وعلى القليلِ والكثير، وليكنِ اللهُ تعالى أوَّلَ من تراقبون، فإن العبادَ يغْفُلون ﴿وَمَا ‌اللَّهُ ‌بِغَافِلٍ ‌عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا ‌كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12]

فعلى المسلم أن يقنعَ بما قسمَ اللهُ له من الحلال، وليجاهدْ نفسَهُ على الكفِّ عن الحرام، وليتعاونْ مع ولاةِ أمره في الحفاظِ على مالِ الدولة بأن يكون أميناً في نفسِه، عفيفاً في يدِه، قوياً في القيامِ بواجبات وظفيته، وبنصحِ المتساهلين في الاستيلاءِ على المالِ العام بغيرِ وجهِ حق، وبالإبلاغِ عنهم ابتغاءَ ما عندَ الله. لأنه من التعاونِ على البِرِّ والتقوى والله عز وجل يقول: ﴿‌وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2] ، وأنتم ترونَ وتشاهدونَ جِدَّ الدولة واجتهادَها في الحفاظِ على المال العام وتتبعِ الفسادِ المالي، والقبضِ على أهلهِ دونَ محاباةٍ لأحد، زادها اللهُ توفيقاً وتأييداً، ورَزَقنا جميعاً الاستقامةَ والأمانة، وأَعاذنا برحمتهِ من الزيغِ والخيانة، إنه سميعٌ مجيب.

اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين إلى ما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُعلمة بـ *