العنوان : تنبيهات على محاذير في مسائل من الجهاد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً:
أما بعد فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن التمسكَ بكتاب الله وسنةِ رسوله ﷺ والاقتداءَ بالسلف الصالح أمان من الفتن، وعصمة من الضلال، ووقاية من الانحراف. قال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.
فمن الحق الذي خفي على كثير من الناس وخالفه كثير منهم، أن الجهاد في سبيل الله مشروط بشروط عظيمة من أعظمها أن يكون تحت راية إمام، تحت راية ولي الأمر، قال ﷺ :” وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ” متفق عليه.
وعلى هذا جرى عمل الصحابة والتابعين لهم بإحسان، يرون الجهاد مع أولي الأمر، ولا يفتاتون عليه، ولا يتقدمونه، ولا يقاتلون العدو من غير أمره.
ومن آكدِ شروطه أيضاً وجودُ القدرة والاستطاعة، وتوفرُ القوةِ التي يمكن بها إرهاب أعداء الله، وقذف الرعب في قلوبهم، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}
ولذلك لم يشرع الله تعالى القتال في مكة لضعف المسلمين، وقوة عدوهم، فكانوا يلاقون من قريش وأهلِ الشرك ما يلاقون من صنوف الأذى والقهر والظلم والعدوان إلى حدِّ إزهاقِ الأرواح البريئة وإراقة الدماء المعصومة، فكانوا يقابلون ذلك كله بالصبر والاحتساب وكفِّ اليد عن الرد بالمثل وقوفاً عند حدود الله تعالى، فقد جاهدوا أنفسَهم جهاداً عظيماً حتى خضعتْ لأمر الله واستسلمتْ وانقادت، ولو خالفَ الشرعُ حميَّتَهم وأهواءَهم، وعواطفَهم وحماسَهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.
فعلى المسلمين في كل زمان ومكان أن يراعوا هذه الشروطَ وغيرَها من شروطِ الجهاد الشرعي، حتى يكونَ عملاً صالحاً، وحتى يثمرَ للأمة العزةَ والتمكين، وللناسِ الهدايةَ إلى أقومِ سبيل وأصحِ دين.
أقولُ هذا القول وأستغفرُ الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً،
أما بعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
عباد الله:
إن من المحاذيرِ الشرعيةِ في بابِ الجهاد التغريرَ بالمسلمين والتسبُّبَ في إزهاق أرواحهِم، وتخريبِ ديارهم، وهتكِ أعراضِهم، وسلبِ أموالهم، وتشريدهم عن أوطانهم، كمن يتحرش بأَعداءَ ألدّاءَ، جبابرةً أقوياء، لا يرقبون في مؤمنٍ إلّاً ولا ذِمة، ولا يرْعَون عهداً ولا ميثاقاً، ولا يعرفون خُلُقاً ولا دِيناً، يترقبون الفرصَ والمعاذيرَ التي يستغلونها لصبِّ نيرانِهم على المستضعفين من المسلمين.
لذلك حذّر العلماءُ والعقلاءُ، والناصحون من أهل العلم والسياسة والفكر، حتى أصحابِ الفطر السليمة من عامة الناس من هذه المغامرات التي لا تحفظ حقاً، ولا تحقن دماً، ولا تورث عزاً، ولا تَرُدُّ وطناً، بل تزيدُ الشرَّ والبلاء، والضُّرَّ والبأساء.
إن العواطفَ لا تجدي على أصحابِها شيئاً إذا ما قُيّدتْ بالشرع، ولا تنفع الحماسة شيئاً إذا ارتكبت بسببها المخالفات الشرعية، وضيعت بسببها الأحكامُ المرعية، وإنّ الواقعَ اليوم خيرُ شاهد، وأوضح برهان يؤكد مقتضى الأدلةِ الشرعية، ونصائحَ وفتاوى أهلِ العلم الواضحة الجلية.
اللهم فرّج هم المهمومين، واكشف كرب المكروبين، اللهم أنج المستضعفين في فلسطين، وأعذهم من شر عدوك وعدوهم يا رب العالمين، اللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم وآمن روعاتهم، واستر عوراتهم، اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، اللهم عليك بمن بغى عليهم من اليهود الظالمين الغاشمين، ومن أعانهم على بغيهم فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيدهم بتأييدك وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.